الشيخ عبد الله الصالحي النجف آبادي
139
موسوعة مكاتيب الأئمة
وادّعى مالك العبد أنّه قاهر عزيز حكيم ، فأمر عبده ونهاه ، ووعده على اتّباع أمره عظيم الثواب ، وأوعده على معصيته أليم العقاب ، فخالف العبد إرادة مالكه ولم يقف عند أمره ونهيه ، فأيّ أمر أمره ، أو أيّ نهي نهاه عنه لم يأته على إرادة المولى ; بل كان العبد يتّبع إرادة نفسه ، واتّباع هواه ، ولا يطيق المولى أن يردّه إلى اتّباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته ، ففوّض إختيار أمره ونهيه إليه ، ورضي منه بكلّ ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك ، وبعثه في بعض حوائجه ، وسمّى له الحاجة فخالف على مولاه وقصد لإرادة نفسه واتّبع هواه ، فلمّا رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به ، فإذا هو خلاف ما أمره به ، فقال له : لِمَ أتيتني بخلاف ما أمرتك ؟ فقال العبد : اتّكلت على تفويضك الأمر إليّ فاتّبعت هواي وإرادتي ، لأنّ المفوّض إليه غير محظور عليه ، فاستحال التفويض . أوليس يجب على هذا السبب ، إمّا أن يكون المالك للعبد قادراً يأمر عبده باتّباع أمره ونهيه على إرادته ، لا على إرادة العبد ، ويملّكه من الطاقة بقدر ما يأمره به وينهاه عنه ، فإذا أمره بأمر ونهاه عن نهى ، عرّفه الثواب والعقاب عليهما ، وحذّره ورغّبه بصفة ثوابه وعقابه ، ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملّكه من الطاقة لأمره ونهيه ، وترغيبه وترهيبه ، فيكون عدله وإنصافه شاملاً له ، وحجّته واضحة عليه للإعذار والإنذار ، فإذا اتّبع العبد أمر مولاه جازاه ، وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه ، أو يكون عاجزاً غير قادر ، ففوّض أمره إليه ، أحسن أم أساء ، أطاع أم عصى ، عاجزاً عن عقوبته ، وردّه إلى اتّباع أمره . وفي إثبات العجز نفي القدرة والتاء لّه ، وإبطال الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، ومخالفة الكتاب ، إذ يقول : ( وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ) ( 1 ) ، وقوله عزّ وجلّ : ( اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ( 2 ) ، وقوله : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْق وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ) ( 3 ) ، وقوله : ( اعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِى شَيْئا ) ( 4 ) ، وقوله : ( أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ
--> 1 - الزمر : 39 / 7 . 2 - آل عمران : 3 / 102 . 3 - الذاريات : 51 / 57 . 4 - النساء : 4 / 36 .